الشيخ محمد رشيد رضا
73
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ولم يتكلم الأستاذ الامام عن الهجر في المضاجع لأنه بديهي وكم تخبط المفسرون في تفسير البديهيات التي يفهمها الأميون فإنك إذا قلت لأي عامي إن فلانا يهجر امرأته في المضجع أو في محل الاضطجاع أو في المرقد أو محل النوم فإنه يفهم المراد من قولك ، ولكن المفسرين رأوا العبارة محلا لاختلاف أفهامهم فمنهم من صرح بما يراد من الكناية ، وأخل بما قصد في الكتاب من النزاهة ، ومنهم من قال المعنى اهجروا حجرهن التي هي محل مبيتهن ومنهم من قال المراد اهجروهن بسبب المضاجع أي بسبب عصيانهن إياكم فيها . وهذا يدخل في معنى النشوز فما معنى جعله هو المراد بالعقاب ؟ وقال بعض من فسر الهجر بالتقييد بالهجار : قيدوهن لأجل الاكراه على ما تمنّعن عنه ! ، وسمى الزمخشري هذا التفسير بتفسير الثقلاء . والمعنى الصحيح هو ما تبادر إلى فهمك أيها القارئ وما يتبادر إلى فهم كل من يعرف هذه الكلمات من اللغة . ولك أن تقول العبارة تدل بمفهومها على منع ما جعله بعضهم معنى لها فهو يقول « وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ » ولا يتحقق هذا بهجر المضجع نفسه وهو الفراش ولا بهجر الحجرة التي يكون فيها الاضطجاع وانما يتحقق بهجر في الفراش نفسه وتعمد هجر الفراش أو الحجرة زيادة في العقوبة لم يأذن بها اللّه تعالى وربما يكون سببا لزيادة الجفوة وفي الهجر في المضجع نفسه معنى لا يتحقق بهجر المضجع أو البيت الذي هو فيه لان الاجتماع في المضجع هو الذي يهيج شعور الزوجية فتسكن نفس كل من الزوجين إلى الآخر ويزول اضطرابهما الذي أثارته الحوادث قبل ذلك فإذا هجر الرجل المرأة وأعرض عنها في هذه الحالة رجي أن يدعوها ذلك الشعور والسكون النفسي إلى سؤاله عن السبب ويهبط بها من نشز المخالفة ، إلى صفصف « 1 » الموافقة ، وكأني بالقارئ وقد جزم بأن هذا هو المراد ، وان كان مثلي لم يره لأحد من الأموات ولا الاحياء ، وأما الضرب فاشترطوا فيه أن يكون غير مبرّح وروى ذلك ابن جرير مرفوعا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والتبريح الايذاء الشديد وروي عن ابن عباس ( رض )
--> ( 1 ) الصفصف المستوي من الأرض